تدوينة: دراسة علمية حول مشاركة الطلاب في فعاليات علمية لا منهجية في جمعية الرواد للعلوم والتقنية

تدوينة: دراسة علمية حول مشاركة الطلاب في فعاليات علمية لا منهجية في جمعية الرواد للعلوم والتقنية / أريج مواسي

يناير 2020

خلال الأسابيع الماضية وبمشاركة جمعية الرواد للعلوم والتقنية في باقة الغربية، قمت بإجراء دراسة علمية حول مشاركة الطلاب في فعاليات علمية لا منهجية يقوم بإعدادها وتصميمها وتنفيذها طاقم الرواد.  تمحورت الدراسة حول مشاركة الطلاب في مثل هذه الفعاليات وسيرورة تعلمهم خلالها وتعزيزها لاهتمامهم بمواضيع مترابطة بين العلوم، التكنولوجيا، الفنون، الهندسة، والرياضيات في سياق تعلم لا-منهجي ومجتمعي. خلال هذه الدراسة أيضا قمت بالتعرف على المجهود الذي تبذله جمعية الرواد للعلوم والتقنية في إتاحة تعلم العلوم لشرائح مجتمعية مختلفة ومتعددة في المجتمع العربي في الداخل ووجدت الجهد التنظيمي للجمعية ببرامجها نموذجا يستحق منا التقدير والدعم. جاءت فكرة هذه الدراسة بعد محادثات أجريتها خلال الأشهر الماضية مع مدير جمعية الرواد د. مسعود غنايم ومديرة القسم التربوي وصال غنايم والتي من خلالها تعرفت على برامج لفعاليات علمية يدوية تعمل الجمعية على هندستها وتصميمها وتفعليها للطلاب من كافة الأعمار. وبناء على أبحاث أجريتها في السنتين الماضيتين في الولايات المتحدة خلال عملي في مركز العلوم والخيال في جامعة ولاية أريزونا حول الممارسات العلمية للطلاب من تعلم تفاعلي، تعلم خارج وداخل المدرسة من خلال فعاليات لا منهجية وتصميم بيئات تعلم تراعي الاحتياجات الثقافية للطلاب، أدركت أهمية نماذج عمل مثل البرامج التي تقوم عليها جمعية الرواد للعلوم والتقنية.

تثبت الأبحاث العلمية التربوية في سياق علوم التعلم أن لمثل هذه الفعاليات اليدوية العلمية وأطر التعلم اللامنهجي، دور مهم في تحفيز الطلاب على الاهتمام والمشاركة بهذه المجالات العلمية والتكنولوجية ومساعدة الطلاب على ربط مواضيع علمية، هندسية، فنية، وتكنولوجية بحياتهم اليومية. مثل هذه الفعاليات يتم تفعيلها في مساحات تربوية عديدة كالمدارس، المتاحف، المكتبات العامة، وحتى الفضاء الرقمي، إلا أنه في مجتمعات تعاني من التهميش على أنواعه قد تكون مثل هذه الفعاليات غير متاحة في إطار المدرسة ولا في خارجها من قنوات التعلم في حياة الطلاب (البيت، المساحات العامة، المتاحف، المكتبات، الانترنت). وعليه فإن الاهتمام بتصميم وإتاحة ومشاركة مثل هذه الفعاليات لجميع الطلاب في المدرسة وخارجها أمر في غاية الأهمية كونه ينعكس على توفير فرص للطلاب لإعادة التفكير في مفاهيم تتعلق بالعلوم، الفنون، الهندسة، التكنولوجيا والرياضيات خارج إطار التعلم في المدرسة. أخيرا، أهمية مثل هذه الفعاليات أيضا، تكمن في توفير مساحة تعزز للطالب قدرته على أن يتخيل نفسه قادرا على أن يقوم ويفعل وينجح بعمل فعاليات علمية، فنية، هندسية وتكنولوجية.

خلال الفترة السابقة، تعرفت على سيرورة عمل الرواد ومشاركة وتفاعل الطلاب خلال هذه الفعاليات في أحد هذه البرامج اللامنهجية، وحاولت أن أجد المشترك بينها وبين أطر تعليمية شبيهة قمت بدراستها سابقا. في برنامج الرواد الذي قمت بمشاهدته وجدت حتى الآن فرصا مهمة وغنية لتوفير بيئة داعمة لتعلم للطلاب على اختلافهم وتنوعهم؛ هذا وبالرغم من تقييدات الدراسة من حيث عدد المشاركين، فعلى سبيل المثال، تتوفر في مثل هذه البيئة كمساحة تعلم: أولا، بيئة نقاش تشجع الطلاب على المشاركة من جهة وعلى العمل اليدوي من جهة أخرى، الأمر الذي له انعكاسات على إدراك الطلاب لمفاهيم علمية من جهة والمشاركة في نقاشها من جهة أخرى، وعليه فإنها توفر بيئة تعلم تحترم جميع مشاركات الطلاب، الأمر الذي أدرك حسناته أيضا الطلاب عليهم كأفراد وعلى المجموعة ككل خلال محادثاتي الفردية معهم. ثانيا، التصميم وهندسة المنتج، توفر سيرورة بناء هذه المنتجات اليدوية فرصة للعمل اليدوي من جهة، وكذلك فرصة لمواجهة تحديات مختلفة مثل التركيز خلال العمل، الاتقان في العمل بمفهوم السعي نحو التمكن والتحدي، التعاون مع الآخرين لمساعدتهم والعكس صحيح. مثل هذه الممارسات، تذوت للطلاب أهمية العمل الجماعي في السيرورة العلمية، مساعدة الآخرين والمسؤولية الاجتماعية، والمسؤولية الأخلاقية لما ينتجه ويصنعه العالم، الفنان، المخترع، والمهندس من عواقب ونتائج إيجابية وسلبية. ثالثا، العمل على تحفيز الطلاب من خلال تغيير مفهومهم لتعلم العلوم باعتباره مرتبطا بحياتهم اليومية من جهة وباعتباره مرتبطا بمجالات متعددة ومتقاطعة كالهندسة، الفنون، الرياضيات، والتكنولوجيا. وغيرها العديد من الجوانب. ما زلت في بداية تحليلي لهذه المشاهدات، لكني فعلا تعلمت الكثير حول هذا السياق الغني. ورابعا، تنوعت الصورة التي أدرك فيها الطلاب الفعاليات المختلفة التي قاموا بها من حيث المنتج، فبعضهم رأى أنها علوم أو فنون أو اختراع أو هندسة أو جميعها معها. مثل هذه الفعاليات اليدوية وكذلك بيئة التعلم هذه من شأنها أن توفر فرصا عديدة للتعلم وتشكل رافعة لدعم تعلم الطلاب في المدرسة وخارجها.

تبين لي أيضا: (1) كما في أبحاث سابقة أجراها فريق أبحاثنا في مركز العلوم والخيال مع شرائح مجتمعية وفي سياقات شبيهة في الولايات المتحدة، أن للطلاب صورة ومفاهيم غير مكتملة عن العلوم، الفنون، الهندسة والتكنولوجيا وكذلك عن أدوار وعمل العلماء والعالمات، المهندسين والمهندسات، الفنانين والفنانات، والمخترعين والمخترعات. هذا الأمر، يحتم علينا العمل مستقبلا على تقريب مثل هذه المواضيع والمجالات للطلاب، ليس فقط في إطار كتب التدريس والمهام المدرسية، إنما أيضا كجزء من حياتهم اليومية. (2) مفهوم الطلاب “للتعلم” بمجمله يتم تعرفيه من خلال تجربة تعلمهم في المدرسة (القراءة والكتابة وعمل المهام المدرسية) وكذلك سردهم للمعلومات التي تذكروها مما يصعب على بعض الطلاب قدرة الربط بين ما يحدث في المدرسة من تعلم منهجي مع ما يحدث خارج إطار المدرسة. (3) وبحسب مفهوم الطلاب للتعلم فإن قنوات تعلم الطلاب الأساسية هي المدرسة، الأهل، وأحيانا الإنترنت.  هذه النقاط، تحتم علينا العمل على توفير مساحات وبيئات تعلم في المدرسة وخارجها تسعى لتغيير مفهوم التعلم من جهة باعتباره ممارسة يومية، ومساحات تعزز ممارسات الطلاب المختلفة في حياتهم اليومية وربطها بالعلوم، الفنون، الهندسة، التكنولوجيا والرياضيات. (4) على مساحات وبيئات التعلم أن توفر فرصا للنقاش البناء والتفاعلي مما له أثر على التفكير بالمفاهيم العلمية وليس فقط المشاركة بالفعاليات العلمية يدويا.

من جهة تسعى مدارس كثيرة لتوفير مثل هذه الفعاليات اللامنهجية ضمن إطارها، إلا أن ذلك يجب أن يتم دعمه أيضا خارج إطار المدرسة. فعلى سبيل المثال، العمل على أن تسعى المكتبات العامة على توفير برامج وفعاليات تدمج الطلاب بممارسات تشجعهم على الابداع، البحث، النقاش، التساؤل، التخطيط، التحليل، تطوير مهارات الشرح، وكذلك الجدال ومن ثم ربطها بمواضيع مثل المواضيع التي ناقشتها أعلاه. مثل هذه الممارسات فعليا، تعمل برامج تربوية عديدة على تذويتها في حياة الطلاب. أضف لذلك، من المهم أن يتم إعادة تعريف مفهوم القراءة والكتابة لدى الطلاب بحيث يتم الاستثمار بأدوات حديثة للتعبير من فنون بصرية، التصميم، الحركة الجسدية، وربطها بالعلوم.  وهناك امكانيات عديدة لذلك في مثل هذه الأطر سأتطرق لها في منشورات لاحقة.